محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
187
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
فيكون الفرق بين التصوّر الأوّل والثاني ظاهرا ؛ فإنّ الأوّل كأنّه شيء قد أخرجته من الخزانة وأنت تستعمله ، والثاني كأنّه شيء لك مخزون متى شئت استعملته . والثالث يخالف الأوّل بأنّه ليس شيئا مرتّبا في الفكر البتّة ، بل هو مبدأ لذلك مع مقارنته لليقين ، ويخالف الثاني بأنّه لا يكون شيئا معرضا عنه ، بل منظورا إليه نظرا ما بالفعل يقينا ؛ إذ يتخصّص معه النسبة إلى بعض ما هو كالمخزون . فإن قال قائل : إنّ ذلك علم أيضا بالقوّة ولكن قوّة قريبة من الفعل ، فذلك باطل ؛ لأنّ لصاحبه يقينا بالفعل حاصلا لا يحتاج إلى أن يحصّله بقوّة بعيدة أو قريبة ، فذلك اليقين إمّا « 1 » لأنّه متيقّن أنّ هذا حاصل عنده إذا شاء علمه ، فيكون تيقّنه بالفعل بأنّ هذا حاصل بالفعل تيقّنا به بالفعل ؛ فإنّ الحصول حصول لشيء ، فيكون هذا الشيء الذي نشير إليه حاصلا بالفعل ؛ لأنّه من المحال أن يتيقّن أنّ المجهول بالفعل معلوم عنده مخزون [ . . . ] « 2 » فهو بهذا النوع البسيط معلوم عنده ، ثمّ يريد أن يجعله معلوما بنوع آخر . ومن العجائب أنّ هذا المجيب حين يأخذ في تعليم غيره تفصيل ما هجس في نفسه دفعة يكون مع ما يعلّمه يتعلّم العلم بالوجه الثاني ، فيترتّب تلك الصور فيه مع ترتيب ألفاظه ، فأحد هذين هو العلم الفكري الذي إنّما يستكمل به تمام الاستكمال إذا ترتّب وتركّب . والثاني هو العلم البسيط الذي ليس من شأنه أن يكون له في نفسه صورة بعد صورة لكن هو واحد عنه يفيض الصور في قابل الصور ، فذلك علم فاعل للشيء الذي نسمّيه علما فكريّا ومبدأ له وذلك هو للقوّة العقليّة المطلقة من النفس المشاكلة للعقول الفعّالة . وأمّا التفصيل ، فهو للنفس من حيث هو نفس ، فما لم يكن له ذلك ، لم يكن له علم نفسانيّ « 3 » . انتهى .
--> ( 1 ) . كلمة « إمّا » غير موجودة في « الشفاء » . ( 2 ) . إشارة إلى زيادة وردت في « الشفاء » ولم ترد في « شوارق الإلهام » . ( 3 ) . « الشفاء » الطبيعيات 2 : 213 - 215 ، الفصل السادس من المقالة الخامسة من الظنّ السادس .